السيد محسن الأمين
113
أعيان الشيعة ( الملاحق )
أحيى الإله به البلاد فأصبحت * مخضرة الأجناب بعد الياس ولما سقي الناس طفقوا يتمسحون بالعباس ويقولون هنيئا لك ساقي الحرمين انتهى وفي خلاصة الكلام واستسقى عمر بالعباس لما اشتد القحط عام الرمادة فسقوا وذلك مذكور في صحيح البخاري من رواية أنس بن مالك وذلك من التوسل بل في المواهب اللدنية للعلامة القسطلاني ان عمر لما استسقى بالعباس قال يا أيها الناس ان رسول الله ( ص ) كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد فاقتدوا به في عمه العباس واتخذوه وسيلة إلى الله تعالى ففيه التصريح بالتوسل وبهذا يبطل قول من منع التوسل مطلقا بالأحياء والأموات وقول من منع ذلك بغير النبي ( ص ) إلى آخر ما قال ( لا يقال ) لو كان التوسل بالميت جائزا لتوسل عمر بالنبي ( ص ) بعد موته ولم يتوسل بالعباس لأن التوسل بالنبي ( ص ) أقرب إلى الإجابة ( لأنا نقول ) لا يلزم على الإنسان دائما توخي الأقرب إلى الإجابة في التوسل والدعاء كما لا يلزم توخي الأفضل في العبادة بل له ان يختار ما شاء ويدل على ذلك ما ذكره ابن تيمية كما مر من أن النبي ( ص ) طلب الدعاء من عمر فلم لم يطلبه من أبي بكر الذي هو أفضل من عمر وانه ( ص ) أمر عمر ان يطلب الاستغفار لنفسه من أويس فلم لم يأمره ان يطلبه من أبي بكر الذي هو أفضل من أويس بل من النبي ( ص ) الذي هو أفضل الكل وان أبا بكر قال لعمر استغفر لي فلم لم يطلب ذلك من النبي ( ص ) الذي هو أفضل من عمر على أن قول عمر انا نتوسل إليك بعم نبينا لا يخرج عن التوسل بالنبي ( ص ) أي نتوسل إليك بمن له عندك حرمة لكونه عم نبينا المقرب عندك كما تقول لغيرك أتوسل إليك بقرابة الملك أو بمرضعة ابنك أو بصهر أخيك أو نحو ذلك ولذلك لم يقل نتوسل إليك بالعباس وهذا كما في قوله تعالى وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ ولم يقل على الوالد قصدا لبيان العلة في ثبوت ذلك عليه وهي ان الولد له والله العالم ويرشد إلى ذلك قول العباس على بعض طرق هذا الحديث المتقدمة وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك ( وفي خلاصة الكلام ) وانما خص عمر العباس من بين الصحابة لإظهار شرف أهل بيت الرسول ( ص ) ولبيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل فان عليا كان موجودا وهو أفضل من العباس انتهى ( لا يقال ) ظاهر قوله كنا إذا اجدبنا نتوسل إليك بنبينا ان هذه كانت عادتهم وقوله وانا نتوسل إليك بعم نبينا أي حيث لا يمكن التوسل الآن بنبينا لموته فانا نتوسل إليك بعمه فهذا يدل على عدم جواز التوسل بالميت ( لأنا نقول ) ظهور قوله وانا نتوسل إلخ في أنه حيث لا يمكننا التوسل بنبينا لموته ممنوع وأي قرينة دلت على هذه المحذوفات لا سيما بعد ملاحظة ما دل على جواز التوسل بالميت بل بالأعمال مما مر . ومما يكذب ما زعمه ابن تيمية من أنه لم يذكر أحد من العلماء انه يشرع التوسل بالنبي والصالح بعد موته ولا استحبوا ذلك ما نقل عن أئمة المذاهب الأربعة وعلمائها من التوسل به ( ص ) في مماته ورجحان ذلك واستحبابه قال السمهودي في وفاء الوفا « 1 » وغيره في غيره : قال عياض في الشفا بسند جيد عن ابن حميد أحد الرواة عن مالك فيما يظهر قال ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين 113 مالكا في مسجد رسول الله ( ص ) فقال مالك يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فان الله تعالى أدب قوما فقال ( لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ) ( الآية ) ومدح قوما فقال ( إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ) الآية وذم قوما فقال ( إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ ) الآية وان حرمته ميتا كحرمته حيا فاستكان لها أبو جعفر فقال يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله ( ص ) فقال لم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ع إلى الله يوم القيامة بل استقبله واستشفع به فيشفعك الله قال الله تعالى ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) الآية انتهى ( وفي خلاصة الكلام ) ذكره اي الحديث القاضي عياض في الشفا وساقه بإسناد صحيح وذكره الامام السبكي في شفاء السقام في زيارة خير الأنام والسيد السمهودي في خلاصة الوفا والعلامة القسطلاني في المواهب اللدنية والعلامة ابن حجر في تحفة الزوار والجوهر المنظم وذكر كثير من أرباب المناسك في آداب زيارة النبي ( ص ) قال العلامة ابن حجر في الجوهر المنظم رواية ذلك عن الامام مالك جاءت بالسند الصحيح الذي لا مطعن فيه وقال العلامة الزرقاني في شرح المواهب ورواها ابن فهد بإسناد جيد ورواها القاضي عياض في الشفا بإسناد صحيح رجاله ثقات ليس في اسنادها وضاع ولا كذاب ( قال ) ومراده بذلك الرد على من نسب إلى مالك كراهية استقبال القبر انتهى قال السمهودي : فانظر هذا الكلام من مالك وما اشتمل عليه من امر الزيارة والتوسل بالنبي ( ص ) واستقباله عند الدعاء وحسن الأدب التام معه انتهى فهذا قول مالك امام المذهب مخاطبا به المنصور الخليفة العباسي حتى استكان لكلامه مع أنه خليفة الوقت وسلطانه مبينا به ان حرمة رسول الله ( ص ) ميتا كحرمته حيا مخاطبا له بخطاب التوبيخ بقوله لم تصرف وجهك عنه ناصا على حسن التوسل به ورجحانه وانه الوسيلة للخلق ووسيلة أبيهم آدم آمرا له باستقبال قبره والتشفع به ضامنا له عليه الشفاعة ناصا على أن آية وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا الآية عامة للحياة والممات كل هذا وابن تيمية يقول إنه لم يشرع التوسل بالنبي والصالح بعد موته ولا استحبوا ذلك ويتورع ويخاف من الابتداع بزعمه ويقول الدعاء مخ العبادة ومبناها على الاتباع لا الابتداع ولا يتورع عن نسبة لوازم التجسيم اليه تعالى وعن تكفير المسلمين ونسبتهم إلى الشرك ( ثم ) حكى السمهودي عن أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن الحسين السامري الحنبلي في المستوعب في آداب زيارة النبي ( ص ) انه يجعل القبر تلقاء وجهه والقبلة خلف ظهره والمنبر عن يساره ويقول في دعائه ، اللهم انك قلت في كتابك لنبيك ع ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ ) الآية واني قد أتيت نبيك مستغفرا فأسألك ان توجب لي المغفرة كما أوجبت لمن أتاه في حياته اللهم إني أتوجه إليك بنبيك ( ص ) وذكر دعاء طويلا ( ثم قال ) وقال أبو منصور الكرماني من الحنفية ان كان أحد أوصاك بتبليغ التسليم تقول : السلام عليك يا رسول الله من فلان بن فلان يستشفع بك إلى ربك بالرحمة والمغفرة فاشفع ( وقال السمهودي ) في وفاء الوفا « 2 » ما لفظه : وفي كلام أصحابنا ( يعني الشافعية ) ان الزائر يستقبل الوجه الشريف في السلام والدعاء والتوسل انتهى محل الحاجة ( وفي خلاصة
--> ( 1 ) ج 2 صفحة 422 . ( 2 ) ج 2 صفحة 425 .